لماذا نمضغ العلكة ولا نبتلعها!

قطع علكة بيضاء مستطيلة مجهزة للمضغ     تجلس لتتناول وجبتك المفضلة، فيرسل دماغك إشارات إلى عضلات الفك والمرئ للبدء في عملية المضغ ومن ثم البلع. عملية تحدث بشكل تلقائي وربما لا تفكر في كيفية حدوثها عند تناولك للطعام، ولكن ماذا يحدث إذا مضغت قطعة من العلكة مباشرة بعد استمتاعك بوجبة طعامك المفضل؟ 

يحدث نفس الأمر، إذ يرسل دماغك إشارات إلى فكك للقيام بعملية المضغ ولكن ليس البلع، وستشعر بنوع من المقاومة النفسية والجسدية إذا فكرت في ابتلاع العلكة! وحتى وإن ابتلعتها فيحدث الأمر غالبا بالصدفة أو عن طريق الخطأ على غير رغبتك. 

إذا فكيف لدماغنا أن يميز بهذه الدقة بين ما يجب أن يمر إلى المعدة وما يجب أن يبقى في الفم رغم أن الإثنان يدخلان من ذات الباب؟ وما هي حقيقة بقاء العلكة في بطوننا لسبع سنوات إذا ابتلعناها عن طريق الخطأ؟ و كيف تختلف مسميات هذه القطعة المطاطية الصغيرة في البلدان العربية؟ سنسبر أغوار هذا السلوك العفوي لنفهم السر النفسي والعلمي خلف مضغ العلكة وبلع الطعام. 


هندسة الدماغ: كيف يميز فمك بين الطعام واللبان؟

تقطع أسنانك الطعام عند تناوله ويفرز اللعاب سوائل تعمل على ترطيبه، وينتج عن ذلك تحول هذا الطعام إلى كتلة تعرف علميا بإسم " البلعة" أو بالإنجليزية " bolus". فالسر هنا لا يكمن في الطعم الذي نتذوقه عندما نأكل الطعام بقدر ما يكمن في هذه العملية الحسية المعقدة التي تحصل داخل الفم عند تناول الطعام.


تحتوي بطانة الفم واللسان على مستقبلات ميكانيكية عالية الحساسية والتي تقيس حجم وقوام وتماسك الطعام في الفم، وعندما يستشعر اللسان أن عملية المضغ قد تمت بالشكل الكافي ، يرسل إشارات لحظية إلى مركز البلع في الدماغ ، والذي بدوره يحفز المريء لبلع الطعام بشكل تلقائي.


كيف يختلف الأمر بالنسبة لمضغ العلكة؟

يتم تصنيع اللبان من مواد صمغية لا تتفتت أو تذوب بالمضغ وتبقى متماسكة، ويخدع هذا القوام المتماسك المستقبلات الحسية في الفم، فطوال مدة مضغك للعلكة، يقوم اللسان بإرسال إشارات مستمرة للدماغ تعلمه أن الطعام (الجسم) الموجود في الفم مازال صلبا وكبيرا ومتماسكا، فلا يصدر الدماغ في هذه الحالة أمر البلع.هذا هو سبب مضغك للعلكة لساعات دون شعورك بالحاجة لبلعها، بل إن دماغك مبرمج على حمايتك من بلع الأجسام الصلبة غير المهضومة خشية الاختناق.

ما الذي يحدث للعلكة إذا ابتلعتها، وما هي خرافة السبع سنوات؟


إذا ابتلعت العلكة، فإنها ستبقى في معدتك لسبع سنوات! خرافة لازمتنا مذ كنا أطفالا، فقد كان أجدادنا يحذروننا من بلعها إلى حد الترهيب. ولكن أجدادنا لم يطلعوا على الحقائق العلمية خلف هذا الاعتقاد.
رفض الدماغ إعطاء أمر بلع هذه القطعة المطاطية؟


تحتوي العلكة على صمغ صناعي يسمى (البوليمر) أو (Polymers) بالإنجليزية، بالإضافة إلى السكر والمنكهات الصناعية، وعندما تبتلعها عن طريق الخطأ، تقوم معدتك بأداء وظائفها المعتادة وتفرز عصارتها وإنزيماتها الهاضمة وتمتص السكر والمنكهات الموجودة في العلكة، لكنها تقف عاجزة أمام عملية هضم المادة الصمغية. 

ومع ذلك، لا يبقى اللبان عالقا في أحشائك لسنوات كما يشاع، وذلك لأن الجهاز الهضمي البشري لديه آلية دفع قوية تعرف باسم "الحركة الدودية" ،وهي انقباضات عضلية تشبه الأمواج تحدث في الأمعاء. فإذا ابتلعت قطعة من العلكة، تقوم الأمعاء بإبقائها داخل القناة الهضمية ومنع التصاقها بجدار الأمعاء، وبفضل هذه الآلية، تمر العلكة عبر الجهاز الهضمي بالكامل وتخرج مع الفضلات بشكل طبيعي خلال أيام وليس سنوات. 

في النهاية، فإن الطريقة التي يميز من خلالها الدماغ بمستقبلاته الحسية البديعة بين عملية بلع الطعام وعملية عدم بلع اللبان يجب أن تمثل لنا تذكيرا بأن حتى أكثر عاداتنا اللاشعورية والدنيوية تخضع لأنظمة بيولوجية غاية في التعقيد صممت لحمايتنا. وعلى الرغم من أن بلع العلكة عن طريق الخطأ لن يبقيها في معدتك لسبع سنوات، عليك أن تتجنب بلعها بقصد أو بغير قصد لأن بلع كمية كبيرة منها قد يعرقل عملية الهضم السلس، وقد يؤدي إلى انسداد في الأمعاء قد يحتاج إلى تدخل طبي.

سواء كنت تدعوها لبان أو مستكة أو مضيغة أو علكة، ففي المرة القادمة التي تمضغ فيها هذه القطعة المطاطة دون ابتلاعها، توقف وخذ لحظة من الصمت لتدبر الدقة والإعجاز الصامت الذي يحدث داخل فمك.



تعليقات