الفولاذ لا ينزف ولكن: لماذا تعجز الروبوتات الشبيهة بالبشر عن حسم معركة المريخ؟

كوكب المريخ الأحمر يظهر من الفضاء الخارجي عبر تليسكوبات ناسا
 بطول 1.88 سم ووزن 136 كجم كشف "مركز جونسون للفضاء التابع لوكالة"ناسا" في عام 2013 عن روبوت شبيها بالبشر يدعى " فالكيري" أو “Valkyrie” بالإنجليزية صمم لغرض فريد وجريء  وهو استكشاف بيئات تعتبر فتاكة على الجسد البشري.
مكسوا بأغشية تكنولوجية متطورة تحمي 44 مفصلا ميكانيكيا، ومزودا بعقل اصطناعي فائق التطور، تحول هذا المستكشف الآلي من مجرد نموذج مختبري أولي إلى رأس حربة متقدم يخوض حاليا برنامجا تدريبيا مكثفا داخل منشآت النفط والغاز البرية والبحرية التابعة لشركة الطاقة الأسترالية "وودسايد إنرجي" في أستراليا الغرض منها تهيئته لإرساله إلى كوكب المريخ من أجل بناء مستعمرات باختبار قدرته على صيانة الأنابيب وفتح الصمامات والاستجابة للطوارئ في بيئات معزولة وخطرة تماما كما في المريخ قبل أن تطأ أقدام البشر رمال الكوكب الأحمر. ومع ذلك، فإن هذا التحول المستقبلي يطرح سؤالا جادا: هل تستطيع الروبوتات الشبيهة بالبشر حقا التعامل مع مزاج كوكب المريخ غير المتوقع، أم أن اعتمادنا عليها يكشف عن خلل قاتل في مستقبل استكشاف الفضاء؟

بدائل من فولاذ: مزايا إرسال روبوتات شبيهة بالبشر إلى المريخ!

بينما صمم الجسد البشري ليكون متكيفا تماما مع محيطه الحيوي على كوكب الأرض، إلا أن الأمر ينطوي على مخاطر جسيمة إذا ما قرر البشر إرسال هذا الجسد ذي الأنسجة العضوية الهشة عبر النظام الشمسي في رحلة إلى المريخ. ولذلك تبرز فكرة استبدال أو استباق إرسال رواد الفضاء إلى المريخ بروبوتات متقدمة شبيهة بالبشر مثل روبوت " فالكيري" التابع  "لوكالة ناسا للفضاء" لما لها من مزايا هائلة تستند إلى أسس فيزيائية وهندسية واقتصادية، مما يوفر فوائد علمية وواقعية عديدة:

1.      مناعة كاملة ضد الإشعاع الكوني القاتل

يفتقر كوكب المريخ إلى مجال مغناطيسي واق، بينما يعد غلافه الجوي رقيقا للغاية إذ لا تتجاوز سماكته 1% من سمك الغلاف الجوي للأرض، وهو ما يجعل سطحه عرضة تماما للعواصف الشمسية القاتلة والأشعة الكونية القادمة من عمق المجرة (الأشعة الكونية المجرية) التي تسبب أمراضا إشعاعية حادة وتفتك بالخلايا البشرية.

تتميز الهياكل التي تصنع منها الروبوتات الشبيهة بالبشر باحتوائها على مواد مثل السيليكون والتيتانيوم وألياف الكربون، وهو ما يجعلها منيعة ضد مخاطر الإشعاع وتدمير الخلايا إذا ما حطت على كوكب المريخ، مما يسمح لها بالعمل إلى أجل غير مسمى في ظل العواصف الإشعاعية المتواصلة دون الحاجة إلى دروع ثقيلة ومكلفة كالبدلات الفضائية والمعدات المصاحبة لها التي يضطر البشر لارتدائها في الفضاء لحماية أنفسهم.

2.      لا تذكرة عودة وخفض التكاليف

ربما تكون فكرة إرسال روبوتات شبيهة بالبشر إلى كوكب المريخ جذابة بالنسبة لك إذا علمت أن في أبجديات هندسة الطيران والفضاء يخصص نصف الوزن والتكلفة لخدمة البنية التحتية اللازمة لإعادة رواد الفضاء أحياء إلى الأرض، وهذا ما سيكون عليه الحال إذا قرر البشر إرسال رحلات مأهولة إلى كوكب المريخ. إذ تشتمل هذه البنية التحتية على احتياطي وقود ضخم ومركبات إطلاق قادرة على مغادرة جاذبية المريخ ودروع حرارية لإعادة دخول المجال الجوي للأرض عند العودة.

بالإمكان إرسال الروبوتات الشبيهة بالبشر في رحلات بتذكرة ذهاب بلا عودة، وباستطاعتهم البقاء على كوكب المريخ إلى ما لا نهاية من أجل بناء مساكن والحفاظ على البنية التحتية مما يقلل من تكاليف الوقود والحمولة المطلوبة لإنجاز المهمة بمليارات الدولارات.

3.      صفر أعباء حيوية، لا حاجة للماء والغذاء والأكسجين

تستغرق الرحلة من الأرض إلى المريخ من 6 إلى 9 أشهر بحسب معطيات الرحلة، وإذا افترضنا أن مركبة ما ستحمل طاقما بشريا وستقطع المسافة بين الأرض والمريخ في ستة أشهر، فهذا يعني أن عليها أن تحمل أطنان من الأكسجين المضغوط في خزاناتها و أنظمة متقدمة لإعادة تدوير المياه بالإضافة إلى تعيينات غذائية غنية بالعناصر الغذائية فقط من أجل إبقاء الطاقم على قيد الحياة.

في حين أن روبوتا كـ " فالكيري" لا يحتاج إلى أي من ما سبق، وهو الأمر الذي يزيح كابوسا لوجستيا عن كاهل القائمين على مثل هذه المهمات، فهو لا يستهلك أي موارد عضوية ولا يتطلب مسكنا معادلا للضغط ويستمد طاقته التشغيلية بالكامل من المصفوفات الشمسية عالية الكفاءة أو مولدات الطاقة الكهروحرارية بالنظائر المشعة (RTGs)، مما يقلل بشكل كبير من وزن حمولة الإطلاق.

4.      صلابة بدنية تتحمل البيئات القاسية

يبلغ متوسط درجة حرارة السطح على كوكب المريخ -62 درجة مئوية تحت الصفر، ويمكن لهذا الرقم أن ينخفض إلى -126 درجة مئوية تحت الصفر بالقرب من القطبين خلال الليل. لا تستطيع الخلايا البشرية تحمل درجات الحرارة هذه، وذلك لأنها تتجمد بينما تتعرض بدلات الفضاء الثقيلة والمثقلة بالمعدات لخطر التمزق و الفشل الميكانيكي.

وعلى النقيض، تزود الروبوتات الشبيهة بالبشر بأنظمة إدارة حرارية داخلية وأنسجة مخصصة للفضاء، بحيث تعمل هذه المواد على إبقاء مفاصلها الميكانيكية ومعالجاتها الداخلية معزولة عن الضرر مما يسمح لها بأداء واجبات ثقيلة في درجات حرارة قد تسبب إنخفاضا فوريا في حرارة جسم الإنسان.

5.      خفة حركة ثنائية القدمين في هيئة بشرية

على عكس المركبات المدولبة مثل "كرياستي" "Curiosity" أو "برسيفيرانس" “Perseverance”، والتي قد تعلق بسهولة في الكثبان الرملية الناعمة لكوكب المريخ أو تجد نفسها في وضع يحد من حركتها كالصخور البركانية شديدة التعرج والانحدار، تستطيع الروبوتات الشبيهة بالبشر محاكاة أنماط الحركة البشرية نظرا لتصميمها الفريد بشكل ثنائي القدمين مما يجعلها قادرة على تسلق الصخور والتنقل عبر الفوهات الحادة وحتى صعود السلالم.

الأهم من ذلك، أن هذه الروبوتات تستطيع تشغيل الأدوات والرافعات والمركبات والمساكن المصممة لتلبية حاجات البشر بسلاسة منقطعة النظير، وهو ما يبطل الحاجة إلى تصميم أدوات منفصلة أو مخصصة لاستخدام الآلات.

عيوب وتحديات إرسال روبوتات شبه بشرية لاستكشاف المريخ

هنالك دائما وجهان لكل عملة، ونرصد في هذا القسم العيوب والتحديات التي ستواجه البشر إذا ما قرروا إرسال روبوتا شبه بشري لمعاينة كوكب المريخ، فعلى الرغم من قدرتها الميكانيكية الهائلة، فإن الاعتماد على الروبوتات الشبيهة بالبشر بشكل كلي لاستكشاف المريخ يمثل عنق زجاجة تقني يصعب التملص منه.

فبينما تقر وكالات الفضاء بأن الفولاذ لا ينزف، إلا أن هذه الآلات تفتقر إلى الوعي والإدراك والقدرة على التأقلم الفوري التي يتميز بها العقل البشري، ومن هنا ينبغي لنا أن نكون على دراية ببعض العيوب والحدود العلمية التي قد تمثل عائقا أمام فكرة الاعتماد على الروبوتات لاستكشاف كوكب المريخ.

1.      معضلة زمن الاستجابة

تسافر إشارات الراديو بسرعة الضوء لعبور الفجوة الواسعة بين الأرض والمريخ في وقت يقع بين 4 إلى 24 دقيقة اعتمادا على موقع كليهما في المدار. يتسبب هذا في تأخير زمني هائل (زمن الاستجابة) في الاتصال يمتد إلى 40 أو 48 دقيقة لرحلة ذهاب وإياب.

ولتبسيط الأمر، تخيل أنك أرسلت رسالة عبر الراديو من الأرض إلى رائد فضاء يتواجد الآن على المريخ، فإذا كان الكوكبان في أبعد نقطة بينهما ستستغرق الرسالة 24 دقيقة حتى تصل، وعندما يسمع رائد الفضاء رسالتك ويجيب عليها، سيصلك صوته بعد مضي 24 دقيقة أخرى، هذا يعني أن 48 دقيقة مرت في رحلة ذهاب وإياب حتى تصل رسالتك إلى رائد الفضاء ويرد عليها وتصل إليك رسالته.

فإذا واجه الروبوت أو رائد الفضاء حالة طوارئ على المريخ وأرسل نداء استغاثة لن يصل هذا النداء إلا بعد مضي 20 دقيقة في المتوسط، وإذا تم الرد عليه، فلن يصل الرد إلا بعد مضي 20 دقيقة أخرى، وخلال هذا الوقت يكون الحدث قد انتهى تماما و يستحيل معالجة المشكلة في الوقت الفعلي لحدوثها، ولذلك لا يمكن التحكم عن بعد في مركبات المريخ، ويتطلب الأمر اعتماد تقنية الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية لتفادي العقبات.

2.      غياب الحدس

لا يمكن برمجة الفضول، فهو متجذر في طبيعة الإنسان يدركه بفطرته السليمة، وإلى جانب أمور أخرى فهو سبب رئيسي في التقدم الذي وصلت إليه البشرية إلى الآن. تنجز الآلات مهام بُرمجت مسبقا للقيام بها بدقة متناهية بحسب التعليمات المعطاه، ولكنها تفتقر في الأساس إلى الحدس البشري والفضول المرتجل.

فعندما بتعلق الأمر بالعمل على أرض الواقع، فقد أثبتت التجربة أن كبرى الإنجازات العلمية جاءت نتيجة لملاحظات غير مقصودة أو من خلال ومضات حدس مفاجئة. إذ يمكن لجيولوجي يسير على سطح كوكب المريخ أن يلاحظ على الفور أي بريق غير اعتيادي في صدع صخري أو نسيجا غير مألوف للتربة لم تتم برمجة خوارزميات رؤية الكمبيوتر الخاصة بالروبوت للبحث عنه بشكل صريح.

فبدون تواجد البشر في الميدان، تنخفض احتمالات الحصول على اكتشافات رائدة وغير متوقعة بشكل كبير.

3.      غبار المريخ الفتاك: الخطر الأكبر على الآلات

يتدثر الكوكب الأحمر بغبار ناعم للغاية و سام يتميز بقدرة هائلة على الكشط ، حاد كالزجاج ومحمل بشحنات كهربائية ساكنة تؤثر على الآلات. فعلى العكس من رمال كوكب الأرض الملساء، تتميز جزيئات الغبار المريخي بالحدة وبحواف مسننة وذلك لعدم توفر الماء الذي يساعد في عملية التآكل.

يتعلق هذا الغبار بألواح الطاقة الشمسية بقوة ويستطيع النفاذ إلى الإلكترونيات محكمة الغلق والمفاصل الميكانيكية للروبوتات شبيهة البشر، وبمرور الوقت، يتحول هذا الغبار إلى ما يشبه ورق الصنفرة، ينخر في التروس الحديدية ويشل المحركات بشكل تام. ولسخرية القدر، فإن إبقاء هذه الروبوتات المعقدة في حالة تشغيلية على المريخ سيتطلب ميكانيكيين بشر لتنظيفها و صيانتها.

4.      شراهة واستهلاك هائل للطاقة

بينما تتطلب إعاشة البشر على كوكب المريخ توفير الطعام والماء و الأكسجين، فإن روبوتا بوزن 136 كجم كـ " فالكيري"  يتطلب إمدادا هائلا ومستمرا بالطاقة حتى يستمر في تشغيل أجهزة استشعار الليدار “LIDAR” وهي اختصار لـ “Light Detection and Ranging” ، وتعمل بنفس فكرة الرادار التقليدي ولكن باستخدام نبضات ضوء الليزر بدلا من موجات الراديو، ناهيك عن الأنظمة الهيدروليكية أو الكهربائية ووحدات المعالجات المدمجة به.

وتتعرض الروبوتات الشبيهة بالبشر لخطر نفاذ البطارية بالكامل والتجمد الدائم، وذلك نتيجة للعواصف الغبارية سيئة السمعة على كوكب المريخ، والتي بدورها يمكن أن تحجب أشعة الشمس لأشهر عندما تحدث. ويبدو هنا الاعتماد على موارد طاقة نووية بديلة كالمولدات الحرارية للنظائر المشعة حلا منطقيا، ولكنه يضيف عبئا كبيرا لناحية الوزن ويصطدم بعقبات تنظيمية صارمة، بالإضافة إلى التكاليف الباهظة التي قد تعصف بالميزانية كلها.

في خضم هذا المسرح الكبير لاستكشاف الفضاء، تمثل الروبوتات الشبيهة بالبشر كـ " فالكيري" ذروة الامتداد للقدرة البشرية، إنهم الرواد المثاليون لتحمل درجات الحرارة المتجمدة والغبار السام والإشعاع الكوني المريخي، ورغم ذلك، مهما بلغت عقولها المصنوعة من السيليكون من تطور، فإنها تبقى مجرد أدوا
ت تشغلها خوارزميات وبرمجيات محسوبة بدقة وخالية تماما من فضول الإنسان.

إن استعمار كوكب المريخ لن يكون نصرا للآلات ضد البشر، ولكنه سيكون كالمعزوفة الموسيقية بين كلاهما، حيث يرسل البشر آلاتهم لبناء أسس حضارة جديدة بينما يتصدر البشر بكل ما فيهم من هشاشة وعيوب المشهد ليجعلوا من المريخ وطنا جديدا لهم.  



تعليقات